محمد عبد الله دراز

114

دستور الأخلاق في القرآن

المؤمن يستقر نوران ، على حين لا يجد الملحد سوى نور وأحد ، وهذا هو معنى رمز النّور المزدوج في قوله تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ « 1 » . هل معنى ذلك أنّ علينا أن نفرق بين مصدرين مختلفين للإلزام الأخلاقي ؟ كلا . . . فنحن بالأحرى نراهما مستويين لمصدر وأحد ، أقربهما إلى النّاس هو أقلهما نقاء ، وذلك أنّ هذا النّور المكمل ليس قريب المنال ، ولا سلطان له علينا ، وليس له معنى أخلاقي إلّا من خلال ضميرنا الفردي ، وشريطة أن يعترف به ، فمن يد هذا الضّمير الفردي نتلقى في كلّ حال الأمر المباشر ، وعقلنا الإنساني هو الّذي يأمرنا أن نخضع للعقل الإلهي . ومن هنا استطاع الغزالي أن يقول : « وقول القائل : صار واجبا بالإيجاب حديث محض ، فإنّ ما لا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه ؛ فلا معنى لاشتغالنا به ، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه » « 2 » . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى : عندما أسأل نفسي ، وقد استسلمت لأنواري الفطرية قبل أن أخوض عملا ما - لكي أعرف واجبي ، في موقف يتسم بالوضوح نسبيا ، فإنّ إشارة ضميري لن يكون لها في نظري قيمة القاعدة الأخلاقية إلا إذا اعتقدت أنّها تعبر عن الحقيقة الأخلاقية في ذاتها ، لا عن حقيقة نسبية بالنظر إلى مشاعري . وكلّ جهودي في التّأمل تهدف إلى مطالعة هذه الحقيقة الّتي اعتقد أنّها مطبوعة في أعماقي ، وفي جوهر كلّ كائن عاقل . فإذا ما قيل لنا : إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا ، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي ،

--> ( 1 ) النّور : 25 . ( 2 ) إحياء علوم الدّين : 4 / 4 - طبعة الحلبي .